الأطر الدولية والمعايير والقواعد تشكّل الإطار القانوني للطاقة النووية الذي نبني عليه الثقة في أن للطاقة النووية فوائد للناس وكوكبنا. في صلب هذا الإطار تقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، التي تضمن بقاء هذا الأصل الحيوي قويًا ومرنًا في ظل مشهد متغير من التكنولوجيا والفرص والتحديات. تمامًا كما تضمن تفتيشات الوكالة أن المواد النووية لا تُسيَّر لاستخدامات عسكرية، ويقدِّم علماؤها الدعم للدول الأعضاء في استخدام العلوم والتقنية النووية في مجالات الطب والزراعة ومكافحة تلوّث البلاستيك، فإنّ لهذه القواعد دورًا أساسيًا في الحفاظ على الفائدة العامة من المعرفة النووية وحمايتها من إساءة الاستخدام.
الإطار القانوني الحرج الذي نعتمد عليه اليوم بُني إلى حدٍّ كبير من خلال سلسلة ردود فعل على أحداث عالمية كبرى؛ بدأ ذلك منذ تأسيس الوكالة بيد أولئك الذين خرجوا من تجربة الحرب العالمية الثانية وقد أدركوا القوة الجبّارة للطاقة النووية التي يمكن أن تنقذ الأرواح أو تدمرها. تتيح أنشطة التحقق التابعة للوكالة تقديم ضمانات بأن الدول تلتزم بتعهداتها بعدم انتشار الأسلحة النووية وأن تستخدم المواد والتقنيات النووية لأغراض سلمية فقط. هذا يرسّخ ثقة مشتركة بعدم تحويل المواد النووية نحو تصنيع أسلحة، ويشكّل بذلك أساس النظام الدولي لمنع الانتشار.
إلى جانب ضمان بقاء الوكالة راصدةً صامدةً وحيادية وعادلة وشفافة لنظام الضمانات العالمي، حددت لنفسي كمدير عام ثلاثة مهام قانونية مهمة: العمل بنشاط على تعزيز الإطار القانوني والمعياري الحالي وجعله أكثر متانة؛ مساعدة الدول على الالتزام بالقوانين والمعايير والنظم التي تحمينا وتسمح لنا بالتمتع بفوائد التكنولوجيا النووية؛ وتمكين كل من يشارك مع الوكالة في صياغة الصكوك القانونية الدولية المستقبلية من أن يكون استباقيًا قدر الإمكان. هذا الكتاب يجمع أفكار بعض من أرقى المتخصصين في هذا الحقل، وغالبًا ما يكونون من ذوي الاختصاص القانوني، وسأستفيد فيه أيضًا من تجربتي كطالب للتاريخ ودبلوماسي أرجنتيني وكموظف دولي. كما قال إدموند بيرك: «في التاريخ يُكشَف مجلد ضخم لهدينا»، ومن ثم فإنّ فحصًا موجزًا لنظام القانون النووي—كيف وصلنا إلى ما نحن عليه وإلى أين يمكن أن يقودنا هذا النقاش العالمي—هو طريقة مناسبة للبدء. إن جعل النقاش العالمي حول القانون النووي متاحًا لشرائح أوسع سيضمن أن تتخذ الدول قرارات مطّلعة تأخذ في الحسبان آراء ومساهمات الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي من منظمات دولية ومنظمات غير حكومية وقطاع صناعي وأكاديمي ومجتمع مدني.
يمتلك قانون الطاقة النووية أربعة أركان رئيسية: السلامة، والأمن، والضمانات، والمسؤولية المدنية. هذه الأركان تخترق كامل قطاع النشاط النووي. فهي تغطي كيفية التعامل مع المواد النووية والمواد المشعة الأخرى، سواء داخل مختبر جامعي في باريس أو على حاوية تسافر إلى مفاعل بحثي في نيجيريا. إنّ القانون النووي ضروري لتحقيق فوائد الاستخدام الآمن والمأمون والسلمي للتقنية النووية وتطبيقاتها في حياتنا اليومية.
التركيز الأكبر بطبيعة الحال على الطاقة النووية، إذ تصبح هذه الطاقة جزءًا متزايد الأهمية من مزيج الطاقة منخفضة الكربون بالنسبة للدول الساعية لتجنب أسوأ آثار التغير المناخي، ولتوفير طاقة موثوقة ومستدامة لنموها الاقتصادي؛ ومع تطور تقنيات مثل المفاعلات الصغيرة المتكاملة (SMRs) يتطلب ذلك اهتمامًا خاصًا. لكن القانون النووي يفعل أكثر من معالجة مسائل السلامة والأمن والضمانات والمسؤولية المتعلقة بمحطات الطاقة النووية؛ فالتحديات الكبرى الأخرى التي تواجه البشرية اليوم ومن المرجّح أن تستمر مستقبلاً—مثل الأمن الغذائي، والرعاية الصحية، وإدارة الموارد المائية، والحاجة إلى بيئة أنظف وأكثر أمانًا—هي مجالات يمكن للتكنولوجيا النووية أن تساهم فيها، والإطار القانوني يتيح استخدام هذه التقنيات لمعالجة هذه القضايا الحرجة.
لا بدّ لنا كفاعلين في المجتمع النووي من ضمان أن يظل القانون النووي ملائمًا لهدفه. فقطاع الطاقة النووية والقوانين والنظم التي تحكمه يتطوّران باستمرار، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي هذا الفصل أحاول وصف الكيفية التي نساعد بها الدول الأعضاء على تضمين دروس الماضي لكي نتنبّأ باحتياجات المستقبل. هناك حاجة إلى صرامة معينة لتقييم الأطر القانونية التي تُجرى ضمنها الأنشطة النووية بصفة دورية. وبصفتي المدير العام للوكالة، فأنا مدرك تمامًا للسنوات اللازمة لإتقان تعقيدات هذا المجال حيث يحتاج العلماء والمهندسون والمحامون والسياسيون والدبلوماسيون إلى أن يتكلموا بلغة مشتركة. ولكي ننشئ هذه اللغة المشتركة في النقاش العالمي، نبدأ رحلتنا بفهم أساسي لأصول ومحتوى وتطور هذا المجال.
في 8 ديسمبر 1953، أمام خلفية سباق التسلح النووي المتصاعد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اجتمع دبلوماسيون في مقر الأمم المتحدة بنيويورك للاستماع إلى خطاب الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور الذي عرض فيه مبادرة باتت تعرف لاحقًا بـ«الذرّات من أجل السلام» (Atoms for Peace). في ذلك الخطاب اقترح الرئيس إطارًا سيُشكّل فيما بعد الوكالة ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهما ركيزتان ما تزالان تحكمان نهج العالم لضمان استخدام هذه الطاقة القوية لأغراض سلمية. للوكالة وجهاً مزدوجًا: فهي رقيب دولي على النشاط النووي، وفي الوقت نفسه منتدى حكومي مركزي للتعاون العلمي والتقني في المجال النووي. تعمل الوكالة لضمان أن الاستخدامات الآمنة والمأمونة والسلمية للعلوم والتقنية النووية تساعد الدول الأعضاء على التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
على مدى أكثر من ستة عقود، واجهت الوكالة تحدياتَ متجددة في تجديد دورها كمؤسسة دولية مستقلة قائمة على العلم والتقنية ضمن منظومة الأمم المتحدة، وكانت دائمًا سريعة التأقلم في مواجهة الأزمات. تطور إنشاء أطر قانونية نووية قوية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي. كما يشرح هذا الفصل، فقد أدّت أحداثٌ ماضٍ مثل حادث تشرنوبيل عام 1986، وكشف برنامج سري للأسلحة النووية في العراق عام 1991، وهجمات 11 سبتمبر 2001 إلى تطوير صكوك قانونية دولية جديدة وتقوية الصكوك القائمة في مجالات السلامة الإشعاعية والأمن النووي والضمانات والمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية. كما كانت لهذه الأحداث دورٌ كبير في تعزيز قدرات الوكالة في مجالات التحقق والسلامة والأمن النووي.
السمة الأساسية للقانون النووي هي تركيزه على موازنة فوائد التكنولوجيا النووية مع تقليل المخاطر إلى أدنى حد. يهدف القانون إلى توفير إطار قانوني لممارسة النشاطات المتعلقة بالطاقة النووية والإشعاع المؤين بطريقة تحمي الأفراد والممتلكات والبيئة بالشكل الكافي، لكي يتمكّن الجمهور من الحصول على فوائد هذه التكنولوجيا. ويتم ذلك عبر أنظمة تكميلية تتناول السلامة والأمن والضمانات والمسؤولية.
حادث محطة تشرنوبيل في 26 أبريل 1986 كان بمثابة جرس إنذار للمجتمع الدولي وأسفر عن إدخال معايير أعلى للسلامة النووية على المستويات الدولية والوطنية. بدأ المشغّلون في مراجعة مفاعلاتهم وأسسوا قنوات اتصال امتدت عبر خطوط الفصل السياسي في زمن الحرب الباردة، فظهرت ثقافة عالمية تضع السلامة في المقام الأول وما زلنا ننتفع بها حتى اليوم. قاد حادث تشرنوبيل إلى إنشاء إطار قانوني دولي في هذا المجال، والذي يتكوّن اليوم من أربع معاهدات اعتمدت تحت رعاية الوكالة. كما كان له أثر كبير في تعزيز دور الوكالة في مجال السلامة النووية.
تبنّت بعد تشرنوبيل مباشرتين اتفاقيتين في سبتمبر 1986: اتفاقية الإخطار المبكر عن حادث نووي (Convention on Early Notification of a Nuclear Accident) واتفاقية المساعدة في حالة وقوع حادث نووي أو طارئ إشعاعي (Convention on Assistance in the Case of a Nuclear Accident or Radiological Emergency). تهدف هاتان الاتفاقيتان إلى الحد من عواقب الحوادث أو حالات الطوارئ من خلال تضمنهما لنظام الإخطار عن الحوادث، وتبادل المعلومات، وتوفير المساعدة العاجلة في حال وقوع حادث نووي أو طارئ إشعاعي. حتى سبتمبر 2021 بلغ عدد الأطراف في اتفاقية الإخطار المبكر نحو 130 دولة، وفي اتفاقية المساعدة نحو 124 دولة. ومع أن نسبة الالتزام بتلك الاتفاقيات مرتفعة نسبيًا، ما تزال هناك ما يقرب من 50 دولة عضو في الوكالة لم تُصادق بعد على بعض هذه الصكوك الأساسية، وتستمر مهمتنا في رفع الوعي بشأن سبب وجوب انضمام جميع الدول إلى هذه المعاهدات. تشكل هذه الاتفاقيات الأساس القانوني للإطار الدولي للاستعداد للطوارئ والاستجابة لها، وتدعمه ترتيبات تشغيلية تُستخدم عمليًا من قِبل الوكالة ودولها وأجهزة ومنظمات دولية أخرى للحفاظ على الاستعداد للطوارئ والردّ الفاعل على أي حادث نووي أو إشعاعي.
الأطر الدولية القانونية للطاقة النووية
الكتاب ذو الصلة
HANDBOOK ON NUCLEAR LAW
ملخص نرباس المعرفة